أبان وإرثان: حين يتجاوز التعليم حدود الدنيا

أحدهما ربّى بناته لتكنّ بطلات كرة السلة، والآخر ربّى أبناءه حفّاظًا للقرآن — كلاهما بذل روحه، لكنّ أحدهما كان يرنو إلى ما هو أبعد

Abderrazak Memmiche11 يونيو 20265 دقائق قراءة30 مشاهدة
أبان وإرثان: حين يتجاوز التعليم حدود الدنيا

شاهدتُ مؤخرًا فيلمًا أثّر فيّ. يحكي قصة أب من عائلة عادية، رياضي سابق شغوف بكرة السلة، قرّر أن يكرّس حياته لتدريب ابنتيه حتى تصبحا بطلتين في هذه الرياضة. سنوات من التضحية والانضباط ورفض الاستسهال. والنتيجة كانت واضحة للعيان: مجدٌ، كؤوس، ثروة، ومستقبل مضمون لبنتيه.

وأنا أتابع الفيلم، خطر ببالي فورًا رجلٌ أعرفه. أبٌ مسلم، متعلّق بكتاب الله، بذل القدر ذاته من الجهد والاجتهاد والصبر ليُعلّم ابنيه المراهقين حفظ القرآن وتجويده. اليوم، الأكبر منهما ولم يتجاوز الخامسة عشرة، يؤمّ المصلّين في مسجد كبير. وكلاهما يتفوّق في دراسته المدرسية.

هاتان القصتان دعتاني إلى التأمل. ما معنى أن تكون أبًا حقيقيًا؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن تمتد طموحات الوالد لأجل أبنائه؟

الأب الرياضي: محبّة نبيلة لكنّها محدودة الأفق

من الظلم أن نقلّل من شأن ما حقّقه هذا الأب. لقد آمن بابنتيه حين لم يرهما أحد. ضحّى بوقته وماله وراحته الشخصية. حمل رؤية ولم يتخلَّ عنها قطّ.

هذا النوع من التفاني يستحق الإجلال والتقدير. في بابه، هو مثالٌ يُحتذى.

غير أن أفق هذه المحبة يقف عند حدود هذه الدنيا. المجد يزول. الكؤوس تشيخ. الثروات تتقلّب. وحين تنتهي الحياة الدنيا، يبقى كلّ ذلك وراءنا.

ليس هذا ذمًّا — إنّها طبيعة الأشياء الدنيوية.

الأب الحافظ: ذات التفاني، لكن بهدف مضاعف

الأب المسلم الذي وصفته بذل القدر ذاته من المحبة والجدّية والتضحية. لكنّ هدفه تجاوز الملاعب والمنصّات.

أراد أن يضمن لأبنائه نجاحًا مزدوجًا: نجاحًا في الدنيا — إذ رافقهما في مسيرتهما الدراسية أيضًا — ونجاحًا في الآخرة، بأن أهداهما القرآن نورًا وأنيسًا إلى الأبد.

يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ > — سورة التحريم (٦٦: ٦)

هذا الأمر الإلهي هو جوهر مسؤولية الأب المسلم. تربية الأبناء ليست مجرد طموح شخصي — إنّها فريضة، وأمانة أودعها الله في عنقه.

ما قاله النبي ﷺ في تربية الأبناء

قال رسول الله ﷺ:

«كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيّته» > — صحيح البخاري ومسلم

هذه المسؤولية ليست ماديّة فحسب. إنّها روحية وأخلاقية ودينية. فالأب محاسَبٌ أمام الله على الاتجاه الذي أعطاه لأبنائه.

وقال ﷺ أيضًا:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» > — صحيح مسلم

الولد الصالح إذن هو صدقة جارية — عملٌ لا ينقطع أجره بعد موت والده. فالأب الذي علّم أبناءه القرآن لا يعمل فقط من أجل مستقبلهم في الدنيا، بل يبني مستقبله هو في الآخرة.

القرآن: إرثٌ لا يبلى

قال النبي ﷺ:

«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» > — صحيح البخاري

في عالم يتغيّر فيه كل شيء ويفقد قيمته ويتقادم — علم القرآن ثروة ثابتة لا تتحوّل. تنمو مع صاحبها. تمنحه الحكمة والهداية والسكينة. وتفتح له أبوابًا لا يملك المال مفاتيحها.

يقول الله تعالى:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ > — سورة طه (٢٠: ١٣٢)

الأب الذي ينقل الإيمان والعبادة إلى أبنائه يؤدّي من أنبل ما يمكن لرجل أن يؤدّيه.

أبان وقلبان مفعمان بالحب — لكنّ بوصلة واحدة فقط تشير إلى الأبدية

لستُ هنا لأقارن بين هذين الأبوين أو أضع أحدهما في مواجهة الآخر. كلاهما أظهر ما معنى الأبوة الحقيقية: الحضور والتضحية والرؤية والمثابرة.

لكنّ بينهما فارقًا جوهريًا: أحدهما رنا إلى قمّة هذه الدنيا. والآخر رنا إلى قمّة العالمَين.

يقول الله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِم ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ > — سورة الطور (٥٢: ٢١)

حين يربّي الأب أبناءه على الإيمان وحبّ القرآن والاستقامة — فهو يبني رابطة لا تنتهي عند الموت. يبني شيئًا يمكن أن يعبر القرون.

خاتمة: أيّ إرث نختار أن نتركه؟

تطرح علينا هاتان القصتان سؤالًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد: لأجل ماذا نربّي أبناءنا؟

لكي يتألّقوا في هذه الدنيا؟ ذلك حسن. لكي يتألّقوا في الدنيا والآخرة معًا؟ ذلك أحسن وأجمل.

الأب الرياضي بنى سجلًّا حافلًا. الأب الحافظ بنى نورًا.

أحدهما ضمن مستقبل بناته في هذه الدنيا. والآخر ضمن مستقبل أبنائه في الدارين.

اللهم بارك في كلّ أب يبذل ما يملك لأجل أبنائه. واهدِ من يسعى إلى أن ينقل لهم لا فقط أجمل ما في هذه الحياة، بل أيضًا البوصلة التي تقودهم نحو الأخرى.

شارك هذه القراءة

عن الكاتب

Abderrazak Memmiche

Abderrazak Memmiche

بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.

الرسالة

رسالة تذكير يسر القراء فتحها

كل أسبوع، مختارات من التأملات حول الإسلام والقرآن والأدب والحياة الروحية.

التعليقات

شارك باحترام

البريد الإلكتروني مطلوب لإشعارات الردود ولن يظهر للعامة أبداً.

0 / 2000

0 التعليقات

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.

ملاحظة تحريرية

ينتمي هذا النص إلى سلسلتنا الأسبوعية في التأمل والدراسة، ويمكن استلامه عبر البريد مع ملاحظات وموارد وتذكيرات إضافية.

قراءات ذات صلة

أبان وإرثان: التربية الإسلامية بين الدنيا والآخرة | Sabil Journal