المشاهير والخوف من الموت... حين تعجز الثروة عن شراء الطمأنينة
خلف الأضواء والملايين، يعيش كثير من المشاهير رعباً حقيقياً من النهاية الحتمية — فما سرّ هذا الخوف، وما الذي يُنجّي منه؟

يجلس المشهور أمام الكاميرا، ويبتسم للملايين، ثم تأتي لحظة صادقة فيقول: "أخشى الموت، لا أريد أن أفكر فيه." جملة تُكرَّر في مقابلات لا تُحصى، من نجوم هوليوود إلى رجال الأعمال العالميين، ومن مغنّين طالت شهرتهم إلى رياضيين تربّعوا على عرش البطولات. فما الذي يجعل الثروة والشهرة عاجزتين عن إسكات هذا الهاجس؟
الغنى الذي لا يُشبع
يعتقد كثيرون أن المال يُحلّ كل مشكلة، لكن الموت يكذّب هذه المعادلة. فحين يُسأل الثري عن الموت تراه يتذكّر قصوره وأسهمه وسياراته، ثم يصمت مذهولاً: "بعد كل هذا... لا يبقى شيء؟"
هذه الحيرة ليست وليدة اليوم؛ فقد حذّر الله تعالى من الانشغال بالتكاثر عن الغاية الحقيقية من الوجود، فقال سبحانه:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر: 1-2)
والمعنى بالغ الدلالة: انشغل الإنسان بجمع المال والتفاخر به حتى فاجأه الموت ولم يستعدّ له.
الغفلة... الثمن الخفي للترف
الترف والشهرة يصنعان حجاباً ناعماً بين الإنسان وحقيقة وجوده. يمضي المشهور أعوامه في صخب المهرجانات ونشوة التصفيق، فلا يجد لحظة هادئة يُحاسب فيها نفسه. وحين يداهمه الكبر أو المرض يرتجف أمام سؤال كان يهرب منه طويلاً.
وقد نبّه النبي ﷺ إلى خطر هذه الغفلة فقال:
"أكثروا من ذكر هادم اللذات" — يعني الموت. (رواه الترمذي وابن ماجه)
فذكر الموت ليس تشاؤماً، بل هو يقظة تُعيد الإنسان إلى أولوياته وتُخفّف وطأة الخوف منه، لأن من أعدّ له العدّة لا يفزع من لقائه.
حين تكون الثروة رحمة لا لعنة
ليس كل ثريّ في غفلة، وليست كل شهرة بلاء. فثمة من يجعل من ماله جسراً يعبر به إلى رضا الله، فيُنفق على الفقراء والمرضى واليتامى، ويشعر بسعادة لا تُشترى.
تُصوّر بعض البرامج على قناة ناشيونال جيوغرافيك وغيرها مشاهد من ثروات وُجِّهت نحو الخير: مشاهير يزورون مناطق الفقر، يبنون مدارس، يموّلون علاجات، ويعودون وفي عيونهم بريق لم تصنعه المسابح ولا الطائرات الخاصة. ذلك البريق اسمه: الطمأنينة.
وهذا ما وعد الله به المنفقين في سبيله:
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 262)
فمن أنفق في سبيل الله لا يخاف الموت لأنه أرسل أمامه زاداً يستقبله.
الموت في ميزان الإيمان
المؤمن لا يهرب من التفكير في الموت، بل يجعله معلّمه. قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: 185)
وقال النبي ﷺ:
"الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني" (رواه الترمذي)
فالكيّس — أي العاقل الحصيف — هو من يُحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، ويبني بذكاء لدار البقاء لا لدار الفناء.
الطريق إلى الطمأنينة
الخروج من هذا الخوف لا يكون بإنكار الموت ولا بالهروب منه في متاهات الترف، بل بالإقبال على الله بصدق:
- ذكر الموت يوميا حتى لا يُباغت.
- الصدقة الجارية التي تُبقي أثرك بعدك.
- التوبة والإنابة قبل أن يُقفل الباب.
- خدمة الخلق بما وهبك الله من مال أو جاه أو علم.
فالثروة الحقيقية ليست ما تجمعه بين يديك، بل ما تُرسله أمامك.
خاتمة: قبل أن يفوت الأوان
حين يشعر المشهور بالخوف من الموت، فتلك رسالة من الفطرة إليه: عُد إلى ربّك قبل أن تُضطرّ. الباب مفتوح، والتوبة مقبولة، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل.
الثروة والشهرة نعمة حين توجّهان نحو الخير، ونقمة حين تُبعدان عن الله. والموت لا يرحم غنياً بسبب غناه، لكنه لا يُخيف من أعدّ له.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6)
عن الكاتب

Abderrazak Memmiche
بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.
0 التعليقات
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.

