دعوة سليمان: المُلك الذي لن تبلغه أيّ قوة عظمى
الجنّ في خدمته، والريح مركبه، ولغة الطير والنمل، وعرشٌ يُنقل في طرفة عين… ماذا يكشف مُلك نبي الله سليمان عن قوى عصرنا العظمى؟

قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (رواه مسلم).
نستحضر زكريا عليه السلام وهو يسأل ربه الذرية على كِبَر سنّه، وأيوب عليه السلام وهو يرفع دعاءه بالشفاء بعد سنوات من البلاء، ونبيّنا ﷺ وقد ادّخر دعوته لنا. ثم نقف عند سليمان بن داود عليهما السلام، صاحب الدعوة الأجرأ؛ دعوةٍ ما زالت بعد ثلاثة آلاف سنة تُصغّر كل إمبراطوريات الأرض.
دعوة جريئة: ﴿مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾
يحكي القرآن دعاءه:
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص: 35)
تأمّل الترتيب: المغفرة أولًا، ثم المُلك. ليس هذا طموح فاتحٍ متعطش للسلطة، بل رجاء عبدٍ يعلم من أين تأتي القوة. فجاءه الجواب: ﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (ص: 39).
مُلكٌ فريد في تاريخ البشر. فكيف كان؟
مُلكٌ يفوق الخيال
ليست هذه حكاية من حكايات الجدّات؛ فما يصفه القرآن يتجاوز كل ما بلغته أحدث تقنياتنا:
- الإنس والجن في خدمته: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ (سبأ: 13)؛ قوة عاملة خفية بقدرات تفوق طاقة البشر.
- الريح طوع أمره: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (سبأ: 12)، تجري ﴿بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (ص: 36). وذكر بعض المفسرين كابن كثير أنه كان يركب بساطًا تحمله الريح؛ فالبساط من روايات التفسير، أما تسخير الريح فنصّ قرآني.
- منطق الطير والنمل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل: 16)، وسمع نملةً تحذّر قومها من أن يحطمهم جيشه، ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾.
- عرشٌ يُنقل في طرفة عين: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ (النمل: 40). لا توجد منظومة نقل في العالم تقترب من ذلك.
- صرحٌ من قوارير: دخلت بلقيس قصره فـ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾، فقال: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ (النمل: 44).
ودانت له الأمم، حتى ملكة سبأ بعظمة سلطانها جاءت إليه في النهاية.
قوى اليوم العظمى: وهمُ حكم العالم
حين ننظر إلى عصرنا تفرض المقارنة نفسها. فمنذ عقود يبدو الرؤساء المتعاقبون للولايات المتحدة وكأنهم يحكمون الكرة الأرضية، ويتصرف كثير منهم على هذا الأساس: ثروات هائلة، وقواعد عسكرية في كل القارات، ونفوذ على الحكومات والعملات والأسواق والمؤسسات الدولية، وهيمنة على شبكات الاتصال التي تصوغ ما يراه ويفكر فيه مليارات البشر.
لكن القوة إذا نسيت مصدرها جرّت معها رفاقها المعهودين: الكِبر، والشعور بأنها فوق المحاسبة، والكيل بمكيالين، وأحيانًا الطغيان والظلم الصريح في حق الشعوب الأضعف.
ومع ذلك، تأمّل جيدًا:
- لا رئيس يأمر الريح، بل الأعاصير تذكّره بحدوده.
- ولا أحد منهم يفهم لغة النملة أو الطير.
- ولا أحد ينقل عرشًا عبر العالم في لحظة.
- ولا أحد يحكم أكثر من سنوات معدودة، وكلهم رهائن للانتخابات وجماعات الضغط والتحالفات والأسواق.
«القدرة المطلقة» الحديثة قوة مستعارة، هشّة، مؤقتة. أما قوة سليمان فعطاء مباشر من الله، لا نظير له، كما سأل تمامًا.
سرّ سليمان الحقيقي: الشكر والعدل
ليست عظمة مُلك سليمان في اتساعه فحسب، بل في طريقة استعماله.
الشكر في قلب السلطة. حين رأى عرش بلقيس مستقرًّا عنده لم يقل «انظروا إلى قوتي»، بل قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: 40). وحين سمع النملة دعا: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ (النمل: 19).
العدل حتى مع أصغر المخلوقات. جيشه يتوقف كي لا يحطم قرية نمل. وحين غاب الهدهد لم يحكم عليه قبل أن يسمعه: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ (النمل: 21). أعظم ملوك الأرض يمنح طائرًا حق الدفاع عن نفسه.
احترام الحكمة ولو عند الخصم. كانت ملكة سبأ تحكم بالشورى: ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ (النمل: 32). وكانت وقومها ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (النمل: 24)، لكن حكمتها قادتها إلى الحق: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: 44). لم يسحقها سليمان، بل هداها.
لماذا لا يدوم مُلكٌ قام على الظلم والجشع؟
القرآن سجلٌّ لإمبراطوريات سقطت. قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (فصلت: 15)، وقال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات: 24)، وقال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: 78). فأين هم اليوم؟
وقال النبي ﷺ: «إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته» (رواه البخاري). ولخّص ابن خلدون سنن العمران بقوله: «الظلم مؤذنٌ بخراب العمران».
أما الجشع، الذي كاد عصرنا يجعله فضيلة، فإنه ينخر الإمبراطوريات من الداخل. والسنّة الإلهية ثابتة: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140).
بل إن مُلك سليمان نفسه، أعظم الممالك، يذكّرنا لمن القوة حقًا: مات متكئًا على عصاه، والجن تعمل لا تدري، ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ (سبأ: 14). أقوى الملوك يعود إلى حقيقته: عبدٌ لله.
دروس لنا اليوم
لسنا ملوكًا ولا رؤساء، لكن لكلٍّ منا سلطة ما: على أسرته، وفريقه، وعملائه، وكلمته، وماله.
- كل سلطة أمانة وابتلاء لا استحقاق. والسؤال ليس «كم أملك؟» بل «هل أنا شاكر؟».
- العدل مع الأضعف هو المقياس الحقيقي للعظمة؛ سليمان توقّف من أجل نملة.
- الشورى والإصغاء يقيان من الكِبر، حتى حين تكون على حق.
- لا تنبهر بإمبراطوريات قامت على الظلم؛ فهي قوية، لكنها ليست باقية.
- اطلب كثيرًا، لكن من الله، وابدأ كما بدأ سليمان بالاستغفار.
لن يُضاهى مُلك سليمان أبدًا، فذلك وعدٌ إلهي. لكن روحه، أي القوة في خدمة الشكر والعدل، في متناول كل واحد منا. ولعل هذا هو الإرث الحقيقي لتلك الدعوة المستجابة.
عن الكاتب

Abderrazak Memmiche
بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.
0 التعليقات
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.


