حين لا يكفي الدليل: العادة الإنسانية في الإعراض عن الحقيقة

ماذا يكشف فيلم Don't Look Up عن الإنكار البشري، وماذا قال القرآن عنه منذ 14 قرنًا؟

Abderrazak Memmiche28 يوليو 20264 دقائق قراءة48 مشاهدة
حين لا يكفي الدليل: العادة الإنسانية في الإعراض عن الحقيقة

كان فيلم Don't Look Up من أكثر الأفلام إثارة للنقاش في السنوات الأخيرة، ولم يكن ذلك بسبب المذنّب. ما ظل الناس يتحدثون عنه بعد انتهاء الفيلم لم يكن المؤثرات البصرية، بل شعور مألوف بعدم الارتياح. الفيلم ليس في حقيقته عن كويكب. إنه عنّا نحن.

درس الفيلم

يكتشف فلكيان مذنّبًا في مسار تصادمي مع الأرض. الأدلة قوية، تم التحقق منها مرارًا. ومع ذلك، لا أحد تقريبًا في مواقع السلطة يريد سماعها فعلًا. يحسب السياسيون الكلفة الانتخابية لإثارة قلق الناس. تحوّل وسائل الإعلام تهديدًا وجوديًا إلى فقرة في برنامج حواري. ينقسم المعلقون إلى معسكرات، لا يتجادلون حول الحقائق بل حول من يحق له أن يكون على صواب. الكبرياء والمصلحة الشخصية تزن أكثر من الدليل الماثل أمام أعين الجميع.

تنجح السخرية لأنها ليست مبالغًا فيها كما نتمنى أن نعتقد. الموضوع الحقيقي للفيلم هو الإنكار: كيف يمكن لحقيقة أن تكون ظاهرة تمامًا وتبقى مع ذلك غير مرئية، لمجرد أن رؤيتها تتطلب التغيير.

القرآن يصف النمط نفسه

هذه ليست ملاحظة جديدة. بل هي ملاحظة يكررها القرآن، بدقة لافتة، عن أناس يرفضون آيات واضحة -ليس لغياب الدليل، بل لأن قبوله سيكلفهم شيئًا.

﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسۡتَیۡقَنَتۡهَاۤ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمࣰا وَعُلُوًّا﴾ (سورة النمل، الآية 14)

تصف هذه الآية قوم فرعون أمام آيات موسى عليه السلام. لم يكونوا في شك، بل كانوا على يقين -ومع ذلك رفضوا الحق، لأن هذا اليقين كان سيفرض عليهم تغييرًا لم يكونوا مستعدين له.

﴿أَفَكُلَّمَا جَاۤءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰۤ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ﴾ (سورة البقرة، الآية 87)

هنا أيضًا، ليست المشكلة نقص الدليل، بل الهوى: جاء الحق في وقت غير مناسب، طالبًا شيئًا رفضه الكبرياء.

ولعل الآية الأكثر دقة في تشخيص موضع الخلل هي:

﴿أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبࣱ یَعۡقِلُونَ بِهَاۤ... فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِی فِی ٱلصُّدُورِ﴾ (سورة الحج، الآية 46)

الإنكار، بعبارة أخرى، ليس عطبًا في الحواس. إنه عطب في القلب -ذلك الجزء من الإنسان الذي يقرر، في النهاية، أن يدع الحقيقة تدخل أو أن يصدّها.

الأمر لا يتعلق بالدين فقط

سيكون من السهل -ومن الخطأ أيضًا- اختزال كل هذا في: "المؤمنون يرون بوضوح، وغيرهم عميان". القرآن لا يصف فئة بعينها، بل يصف نزعة إنسانية تسري في الجميع. علماء يتشبثون بنظريات دُحضت لأن مسيرتهم المهنية بُنيت عليها. سياسيون من كل الاتجاهات يلوون الحقائق لحماية رواية معينة. متدينون يرفضون حججًا سليمة تزعزع يقينياتهم. وملحدون يفعلون الشيء نفسه تمامًا، في الاتجاه المعاكس. لا أحد معفى من ذلك بطبيعته.

الفلكيان في الفيلم على حق، لكن حتى هما لا ينجوان من الأنا والخوف والمساومات حين يشتد الضغط. وهذا بالضبط هو المغزى: الإعراض عن الحقائق المزعجة ليس عيبًا في "الطرف الآخر". إنه إعداد افتراضي في الطبيعة البشرية، والحماية الحقيقية الوحيدة منه هي التواضع.

الحل القرآني

إذا كان التشخيص هو مقاومة نابعة من الكبرياء، فإن العلاج الذي يقترحه القرآن هو الموقف المعاكس تمامًا: إصغاء صادق قبل الحكم، وتفكّر بدل رد الفعل، واستعداد حقيقي للتغيير متى اتضح الحق. ليس قبولًا أعمى لكل ما يُقال، بل عقل صادق بما يكفي ليزن ما يسمعه ويتبع الأصوب، حتى لو كان ذلك مكلفًا.

يصف القرآن هذا الموقف بجمال بالغ في إحدى أرقى خواتيمه حول الموضوع:

﴿فَبَشِّرۡ عِبَادِ ٱلَّذِینَ یَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمۡ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ (سورة الزمر، الآيتان 17-18)

فيلم Don't Look Up لا يثبت شيئًا عن الإسلام، وليس هذا مقصده أصلًا. ما يفعله الفيلم هو أنه يجسّد، في ساعتين، نمطًا سمّاه القرآن منذ أربعة عشر قرنًا: نادرًا ما يرفض الناس الحقيقة لأنها غامضة. يرفضونها لأن رؤيتها بوضوح تعني أنهم سيضطرون للتغيير. ينتهي الفيلم نهاية سيئة لسبب واضح: لم يرفع أحد في القصة عينيه إلى السماء في الوقت المناسب. أما الدعوة، لمن يشاهد، فهي أبسط من ذلك: ارفع عينيك قبل فوات الأوان.

شارك هذه القراءة

عن الكاتب

Abderrazak Memmiche

Abderrazak Memmiche

بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.

الرسالة

رسالة تذكير يسر القراء فتحها

كل أسبوع، مختارات من التأملات حول الإسلام والقرآن والأدب والحياة الروحية.

التعليقات

شارك باحترام

البريد الإلكتروني مطلوب لإشعارات الردود ولن يظهر للعامة أبداً.

0 / 2000

0 التعليقات

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.

ملاحظة تحريرية

ينتمي هذا النص إلى سلسلتنا الأسبوعية في التأمل والدراسة، ويمكن استلامه عبر البريد مع ملاحظات وموارد وتذكيرات إضافية.

قراءات ذات صلة