العدل في الإسلام: أمر إلهي ومهمة إنسانية
من الآيات المؤسِّسة إلى مرآة عالم اليوم القاسية

العدل في الإسلام ليس مجرد قيمة أخلاقية أو مبدأ اجتماعي، بل هو أمر إلهي راسخ في صميم الخلق والوجود. قبل أن يُنظّر الفلاسفة الإغريق في الإنصاف، وقبل أن تُعلن الثورات الحديثة مبادئ المساواة، كان الله قد أرسى في كتابه الأبدي أسس عدل كامل مطلق، لا حدود له ولا تنازل فيه.
آدم خليفةً في الأرض: مهمة العدل منذ البدء
تبدأ قصة العدل في الإسلام مع فجر البشرية. يقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ > (سورة البقرة: 30)
الخليفة ليس لقبًا شرفيًا، بل هو أمانة ومسؤولية. لم يُخلق الإنسان ليسكن الأرض فحسب، بل ليجسّد فيها قيم الله الكبرى: العدل والإنصاف والحق. وكل ظلم يقع على هذه الأرض فهو في حقيقته خيانة للمهمة الأصيلة التي من أجلها وُجد الإنسان.
تساءلت الملائكة مستغربةً عن حكمة هذا الاختيار، فكان جواب الله حاسمًا سيّدًا: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30) — لأنه علم أنه سيخرج من ذرية آدم الأنبياء والصدّيقون وشهداء الحق.
آيات القرآن الكريم: عدل لا يقبل المحاباة
لم يكتفِ القرآن بذكر العدل كمثال يُحتذى، بل جعله واجبًا مطلقًا يسري حتى على النفس والوالدين والأقربين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ > (سورة النساء: 135)
هذه الآية العظيمة بلغت من الشمول والعمق ما جعلها تتخطى حدود الزمان والمكان. واعترف بذلك العالَم كلّه، حتى إن مكتبة جامعة هارفارد العريقة، في قسمها المخصص لأعظم النصوص التشريعية في تاريخ الإنسانية، تُعلّق لافتةً تحمل هذه الآية الكريمة — شاهدةً على أن العدل الذي أمر به الإسلام لا نظير له في سائر الحضارات.
ويأمر الله تعالى أيضًا:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ > (سورة المائدة: 8)
العدل واجب حتى مع الخصم والعدو — وهذا ما تعجز عنه أغلب الأنظمة السياسية في عالمنا اليوم.
داود وأصحاب الخصومة: العدل لا يحتمل الهوى
يروي القرآن الكريم قصة نبي الله داود ﷺ الذي آتاه الله الحكمة والملك وفصل الخطاب. جاءه رجلان في خصومة، فأُعجب بحديث أحدهما وكاد يحكم له قبل أن يستمع إلى الآخر، فأوحى الله إليه مباشرةً:
﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ > (سورة ص: 26)
هذه الآية تُختم بها القصة ختامًا مدويًا. إنها موجهة إلى نبي وملك، ومع ذلك يُذكّره الله بأن لا مكانة تُعفي من العدل التام. الهوى، والتحيز، والإعجاب ببلاغة طرف دون آخر — لا شيء من هذا يجوز أن يميل بميزان الحق. فخرّ داود ﷺ ساجدًا، وبقيت هذه اللحظة درسًا خالدًا لكل قاضٍ وحاكم ومسؤول.
الأحاديث النبوية: ثقل العدل وظلمات الجور
زادت السنة النبوية المشرفة هذه التعاليم القرآنية حياةً وعمقًا. قال النبي ﷺ:
«إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل — وكلتا يديه يمين — الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلّوا» > (رواه مسلم)
وحذّر ﷺ بقوله:
«اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» > (رواه مسلم)
وقال أيضًا:
«ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدّخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم» > (رواه أبو داود وابن ماجه)
العدل في الإسلام لا يقتصر على قاعات المحاكم، بل يمتد ليشمل البيت والشارع والدولة وكل علاقة إنسانية.
عالم اليوم: حين يصبح الظلم منظومة
يا للهوّة العميقة بين هذه المبادئ الإلهية وما يعيشه عالمنا اليوم!
شعوب بأكملها ترزح تحت الاحتلال والتهجير القسري، تُنتزع منها أرضها وكرامتها وحياتها، فيما تتفرج دول حقوق الإنسان المُعلنة أو تمد المحتل بالسلاح والشرعية الدولية. قوانين تمييزية صُمّمت لا لحماية الضعيف بل لخدمة مصالح المتنفذين؛ تُجرّم المقاومة وتُضفي الشرعية على العدوان، تُكتب لصالح طبقة أو جنس أو أمة بعينها بينما تنتهك في الظلام حقوق الأكثر هشاشةً.
قضاة منحازون يصدرون أحكامهم بإيعاز سياسي أو مالي لا بميزان الحق والحقيقة. محامون عديمو الضمير يلوون النصوص ويستغلون الثغرات ويبيعون مهاراتهم لمن يدفع أكثر، فتصبح العدالة سلعةً لا ينالها إلا الأثرياء. الفساد يشتري الذمم ويطمس الحقائق ويُسكت الأصوات الجريئة.
الطاغوت الذي حذّر منه القرآن الكريم بات يتجسد في أشكال حديثة ومتطورة: أنظمة تسجن العلماء وتُطلق سراح الفاسدين، ومنظومات اقتصادية تحكم بالفقر على الملايين بينما تتضاعف ثروات القلة، وقانون دولي يُوظَّف انتقائيًا وتُهان قراراته حين تتعارض مع مصالح الكبار.
كل هذا يناقض صريحًا ما أمر الله به. يناقض مهمة آدم الخليفة. يناقض عِبرة داود ﷺ. ويناقض الآية التي تُعلّقها جامعة هارفارد بينما تنتهك روحها دولٌ نسبت نفسها إلى الحضارة والقانون.
والمؤمن في مواجهة هذا الواقع المرير ليس مدعوًا إلى الاستسلام أو اليأس، بل إلى الشهادة على الحق، ورفض التطبيع مع الظلم، وأن لا يُعير صمته ولا تواطؤه للجائرين، وأن يعمل في كل موقع يستطيعه لئلا تُقبر كلمة الحق.
خاتمة: الله العَدْل لا يغفل ولا ينام
من أسماء الله الحسنى: العَدْل — المنزّه عن كل جور، المنزّه عن كل ميل. وهذا الاسم الكريم وعدٌ وتحذير في آنٍ واحد.
قد يخذل القضاء البشري. قد تُفسد المحاكم. قد تُحرَّف النصوص وتُلوى الحقائق. لكن لا قضاء فوق قضاء الله، ولا ظالم يفلت من عدله.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ > (سورة الأنبياء: 47)
ليس هذا استسلامًا — بل هو الصخرة التي استند إليها المظلومون على مر الأجيال فثبتوا وصمدوا وأبوا أن ينكسروا. والعدل المؤجَّل عند الله ليس عدلًا ضائعًا — أبدًا.
عن الكاتب

Abderrazak Memmiche
بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.
0 التعليقات
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.
