الجنة : غايتنا المنسية

أربعة أسباب ستقود الخاسرين إلى الندم الأبدي — وكيف نتجنبها اليوم

Abderrazak Memmiche1 يونيو 20265 دقائق قراءة42 مشاهدة
الجنة : غايتنا المنسية

كلُّ إنسانٍ عاقل يجب أن يطمح إلى الجنة. ليس كأمنيةٍ عابرة تُقال على عجل، بل كهدفٍ أسمى يُوجِّه كل قرار، كل يوم، كل نَفَس. هذه هي الغاية التي خُلقنا من أجلها.

غير أننا حين نتأمل في حالنا، ندرك أن الغفلة تتسلل بهدوء. والشيطان — أعاذنا الله منه — لا يطرق البابَ مُعلنًا نواياه. إنه يُلهي ويُشغل، يُطوِّل في عيوننا وقتَ العبادة ويُقصِّر وقتَ اللهو. وحين تنضاف إليه الغرور — هذا الوهم بأن الغد لا يزال أمامنا وأن الموت شأنُ غيرنا — تتحول الحياة كلها إلى قوسٍ فارغ. ثم تتوقف الحياة.

ما سيقوله الخاسرون

إن الله — سبحانه وتعالى — لم يتركنا في الجهل بمصيرنا. فقد كشف لنا في كتابه العزيز أشدَّ حوارٍ مؤثرًا على الإطلاق: حوار أهل النار مع أهل الجنة. حين سُئلوا «ما سلككم في سقر؟»، كان جوابهم:

﴿قَالُوا۟ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّینَ﴾ — «لم نكن من المصلين» (المدثر: ٤٣)
﴿وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِینَ﴾ — «ولم نكن نطعم المسكين» (٤٤)
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَاۤىِٕضِینَ﴾ — «وكنا نخوض مع الخائضين» (٤٥)
﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِیَوۡمِ ٱلدِّینِ﴾ — «وكنا نكذب بيوم الدين» (٤٦)

أربعة أسباب. أربعة أركان انهارت. أربع تحذيرات ينبغي أن نأخذها بجدية اليوم، ما دام الوقت لا يزال سانحًا.

الصلاة: الخيط الذي لا يجوز أن ينقطع

الصلاة ليست مجرد طقس من الطقوس. إنها الصلة المباشرة، الحميمة والمنتظمة، بين العبد وربه. خمس مرات في اليوم يدعونا الله للوقوف بين يديه، ووضع الجبهة على التراب في خضوعٍ تام. كل صلاة هي عودةٌ إلى الجوهر، وإعادةٌ لضبط القلب.

اليوم، في وقت الفجر، يقوم آلاف المؤمنين في الظلام ليصلوا. وفي المدينة ذاتها، يعود آخرون لتوِّهم من ليلةٍ من الملذات. الصلاة؟ «سنصلي لاحقًا.» لكن «لاحقًا» لا تأتي أبدًا. من يترك الصلاة يقطع الخيط الذي يربطه بالسماء — وبدون ذلك الخيط يضيع المرء بسهولة.

الزكاة: حق الفقير في مالنا

الإسلام ليس دينًا فرديًا. المؤمن لا يُنجي نفسه وحده. هو مسؤولٌ عن أخيه، وعن جاره الجائع، وعن اليتيم والأرملة. الزكاة ليست كرمًا اختياريًا — إنها فريضةٌ إلهية وركنٌ من أركان الإسلام.

كم مرةً مررنا بمحتاجٍ دون أن نرفع بصرنا؟ وكم ننفق على الترفيه بينما في الشارع ذاته يبقى بطنٌ خاويًا؟ الصدقة لا تُنقص المال — علَّمنا النبي ﷺ ذلك. إنها تُطهِّر وتحمي، وستشهد لنا أو علينا يوم القيامة.

الغفلة: فخ اللهو

ولعل هذا هو داء عصرنا بامتياز. الخوض في الباطل — الانغماس في ما لا ينفع، وإشغال النفس بما لا يُفيد — بلغ أبعادًا لم يسبق لها مثيل.

تأمَّل الأمر ملموسًا: بينما يُصلِّي بعضهم صلاة الظهر في مكاتبهم، يقضي آخرون ساعاتٍ في النقاش المتحمس عن مباراة كرة قدم أو متابعة مسلسلات لا تنتهي. ليست هذه إدانةً للراحة — فالإسلام يدعو إلى التوازن. لكن حين يأخذ الباطل كل الحيز، وحين لا يجد المرء وقتًا للصلاة بينما الساعات تتوالى أمام الشاشات، فهذا دليلٌ على خللٍ عميق. الوقت أثمن ما نملك، وسنُسأل عن كل ساعة منه.

الكفر والسخرية: خطر الإنكار

ثمة من لا يؤمن — وذلك شأنه، ولسنا هنا لإكراه أحد. لكن ثمة ما هو أشد خطرًا: أولئك الذين يجعلون من إيمان الآخرين هدفًا مفضَّلًا لهم. يسخرون من المتدينين، ويستهزئون بالصلاة والحجاب والصيام. ويُعلنون إلحادهم بعدوانيةٍ لا تختلف عن إعلان حربٍ مفتوحة. يُشككون ويُحاربون ويطعنون في الثوابت.

لقد أنذرنا القرآن. هؤلاء أنفسهم، يوم يُكشف الغطاء، لن يجدوا أدنى عذر. فالحق لا يُنكَر غالبًا جهلًا — بل يُنكَر كبرًا. فلنذكِّرهم بالحكمة ودون عنف بأن يوم الدين حق. وندعو الله أن يهدي من لم تُختَم بعد قلوبهم.

لا يزال في العمر متسع

هذه الأسباب الأربعة — ترك الصلاة، والتقصير تجاه الفقراء، والانغماس في الباطل، والتكذيب بيوم الحساب — ستكون الندم الأبدي لمن فاتهم الجوهر.

لكننا اليوم لا نزال أحياء، وهذه نعمةٌ عظيمة. باب التوبة مفتوح. الله يقبل توبة عبده ما لم يُغرغر.

فلنسأل أنفسنا بصدق: لو متنا غدًا، أيُّ هذه الأسباب الأربعة سيُؤخَذ بها علينا؟ ولنعمل وفق ذلك — الآن، لا غدًا.

اللهم ثبِّت قلوبنا على دينك، وارزقنا الفقه في ديننا، وتوفَّنا مسلمين. آمين.

شارك هذه القراءة

عن الكاتب

Abderrazak Memmiche

Abderrazak Memmiche

بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.

الرسالة

رسالة تذكير يسر القراء فتحها

كل أسبوع، مختارات من التأملات حول الإسلام والقرآن والأدب والحياة الروحية.

التعليقات

شارك باحترام

البريد الإلكتروني مطلوب لإشعارات الردود ولن يظهر للعامة أبداً.

0 / 2000

0 التعليقات

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.

ملاحظة تحريرية

ينتمي هذا النص إلى سلسلتنا الأسبوعية في التأمل والدراسة، ويمكن استلامه عبر البريد مع ملاحظات وموارد وتذكيرات إضافية.

قراءات ذات صلة

الجنة: غايتنا المنسية | سبيل | Sabil Journal