هل نحن مستعدون للوجهة الأبدية؟
الحياة الدنيا محطة عبور نحو الآخرة

الحياة تشبه مطاراً كبيراً: وصولٌ ورحيل، مسافرون مستعجلون، وعيون شاردة بين لوحات المغادرة. غير أن كثيراً منا، في خضم هذه الحركة المتواصلة، لا يفكر في رحلته الأهم — تلك الرحلة التي لا عودة منها.
الدنيا محطة عبور، لا وجهة أخيرة
أخبرنا الله سبحانه وتعالى بوضوح تام: هذه الحياة الدنيا مجرد مرحلة. لها قيمتها — قيمة التهيؤ للأبدية — لكنها ليست المحطة الأخيرة.
«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» > — آل عمران: 185
وكلمة «الدنيا» مأخوذة من الدُّنوّ، أي القُرب — وهي ليست إلا قاعة الانتظار. أما الحياة الحقيقية التي لا تنتهي، فهي الآخرة.
وقد أوجز النبي ﷺ ذلك في كلمات بالغة: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» — (صحيح البخاري)
والعابر لا يحطّ رحاله إلى الأبد؛ بل يبقى يقظاً لموعد رحيله القادم.
لوحة المغادرة: المواليد والوفيات
في كل مطار، لوحتان كبيرتان تهيمنان على الصالة: المغادرة والوصول. تظهر أسماء، تُقلع رحلات، وتهبط أخرى. حركة دائمة لا تهدأ.
والحياة الإنسانية تشبه هذه اللوحة بشكل لافت. كل ولادة وصولٌ إلى هذه الدنيا، وكل وفاة مغادرةٌ نحو الأبدية. علّمنا الله ذلك في كتابه الكريم:
«إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» > — البقرة: 156
الأحبة الذين يأتون إلى الدنيا، والأحبة الذين يرحلون — كلّها وصولٌ ومغادرات على لوحة الحياة. ورحلتنا نحن تقترب، لحظةً بعد لحظة.
حقيبة السفر الروحية: ما الذي تُعِدّ؟
من منا يسافر سفراً بعيداً دون جواز سفر، ودون حقائب، ودون حجز مؤكد؟ لا أحد. ومع ذلك، كم منا يعبر الحياة دون أن يُعِدّ جديًا لأعظم رحلة في وجوده؟
يناشدنا الله مباشرة:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ» > — الحشر: 18
وحقيبة المؤمن واضحة المحتوى: الإيمان — الجواز الذي لا تُفتح بدونه أيّ بوابة؛ العمل الصالح — الحقيبة الرئيسية التي يملؤها كل عمل مخلص؛ القرآن والسنة — الخريطة ونظام التنقل في هذا السفر؛ الصلاة والذكر — الاتصال الدائم بالله؛ الصدقة — تأمين يحمي في الدنيا والآخرة؛ والتوبة — تذكرة يمكن تصحيحها دائماً، ما بقي الوقت.
المسافر الغافل والمسافر الحكيم
مسافران في المطار ذاته. الأول وصل متأخراً، حقائبه غير جاهزة، منشغل بالمحلات، لم يتأكد من رحلته. والثاني هادئ: وثائقه مرتبة، حقائبه جاهزة، يستعد للصعود بكل ثقة ووقار.
هكذا تماماً هما أسلوبان في العيش.
حذّرنا النبي ﷺ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» — (صحيح الألباني)
الوقت هو أثمن ما يملكه المسافر. وكل ساعة تمضي تُقرّبه من لحظة الصعود الأخير.
الوجهة الأحلى: الجنة
وأيّ وجهة تلك! لا يوجد كتالوج سياحي في الدنيا يقترب مما أعدّه الله لأحبابه:
«أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» > — حديث قدسي | صحيح البخاري ومسلم
هذه الرحلة لا تشبه أيّ رحلة أخرى. لا تأخير، ولا حقائب ضائعة، ولا مفاجآت سيئة عند الوصول. وفقط هذا الوعد البهيّ: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» — الزمر: 73
هل أنت مستعد لرحلتك؟
السؤال ليس إن كنا سنرحل — فكل نفس ذائقة الموت. السؤال الحقيقي هو: هل سنرحل مستعدّين؟
اليوم، الآن، في هذه اللحظة بالذات — رحلتك الانتقالية جارية. افحص حقائبك. أكّد وجهتك. واسأل الله أن يمنحك أحسن المآب.
«رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» — البقرة: 201
عن الكاتب

Abderrazak Memmiche
بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.
0 التعليقات
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.
