قطرة في المحيط: كم تساوي حياتك على هذه الأرض؟
70 أو 80 أو 100 سنة تبدو زمنًا طويلًا. لكن أمام الخلود، تنحصر حياتنا كلها في قطرة ماء واحدة، وهذا بالذات ما يجعلها ثمينة.

اغمس إصبعك في مياه البحر، ثم أخرجه. انظر إلى ما علق بجلدك: قطرات قليلة، بالكاد تُرى، ضائعة أمام اتساع البحر الذي غادرته للتو. هكذا وصف النبي ﷺ حياتنا على الأرض مقارنة بالخلود الذي ينتظرنا. صورة بسيطة، ومع ذلك قلة منا من يتركها فعلاً تغيّر شيئًا في داخله.
اسأل أي شخص: لماذا خُلقنا؟ يأتي الجواب بشكل شبه تلقائي: لنعبد الله. حقيقة لا يجادل فيها أحد، لكنها بالتحديد لكثرة تكرارها تحوّلت إلى عبارة جوفاء بدل أن تكون المحرّك الحقيقي لأيامنا. فماذا لو أخذنا بضع الدقائق لنحسب فعليًا كم تساوي حياتنا هنا؟
حساب مذهل لحياة تبدو طويلة
70 سنة. 80 سنة لمن حالفهم الحظ. 100 سنة لقلة نادرة. على الورق، تبدو الحياة البشرية واسعة، تكفي لبناء مسيرة مهنية، وتأسيس أسرة، ورؤية الأحفاد يكبرون.
لكن لنطرح منها سنوات الطفولة، ذلك الوقت الثمين قبل سن التكليف. ولنطرح منها أيضًا وقت النوم، ثلث كل يوم يمضي والعينان مغمضتان، خارج أي وعي فعلي. فماذا يتبقى؟ بالكاد 45 سنة من حياة واعية وفاعلة حقًا.
45 سنة لبناء ما يفترض أن يدوم إلى الأبد. هذا الرقم وحده كفيل بأن يوقفنا لحظة للتفكير.
ما ينتظرنا بعدها: البرزخ، ويوم مقداره خمسون ألف سنة، ثم الخلود
وهذه الـ 45 سنة ليست سوى المقدّمة. فبعد الموت يبدأ البرزخ، الحياة البرزخية في القبر، وهي فترة انتظار يفوق حجمها الخيال. فرعون، الطاغية الأشهر في القصص القرآني، يقيم فيها منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة. ثلاثة آلاف سنة من الانتظار، لرجل لم تكن حياته الدنيوية، مهما طالت وقويت، سوى جزء يسير من الزمن الذي مضى عليه بالفعل.
ثم يأتي يوم القيامة، وهو يوم لا يقيسه القرآن بالساعات، بل بالحقب: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: 4). يوم واحد بهذا المقياس يعادل عشرات آلاف السنين الأرضية. بمعنى آخر: دقيقة واحدة تُعاش هنا قد تعادل، نسبيًا، يومًا كاملاً يوم الحشر.
وماذا بعد ذلك اليوم؟ الخلود نفسه، في الجنة أو في النار، بلا نهاية، بلا مقياس، وبلا أي وجه شبه مع ما نعرفه.
قانون اللانهاية: لماذا لا يزن حتى ألف عام شيئًا؟
هناك قاعدة رياضية بسيطة: أي رقم يُقسم على اللانهاية يؤول إلى الصفر. سواء عشت 60 سنة أو 600 سنة، أمام خلود بلا نهاية، يصبح الفرق بينهما... معدومًا. هذا لا يعني أن حياتك لا قيمة لها، بل يعني أن قيمتها الحقيقية لم تكن يومًا تُقاس بعدد السنين، بل بما نفعله بها.
تخيل وزن عين نملة يوضع على ميزان بجانب وزن حوت. هذا الوزن موجود فعلاً من الناحية التقنية، لكنه يصبح تافهًا في المقارنة. هذه بالضبط العلاقة بين وجودنا الأرضي، مهما بدا حافلاً، وما ينتظرنا بعده.
الإصبع في البحر
وهذه بالضبط هي الصورة التي اختارها النبي ﷺ، في حديث صحيح رواه مسلم: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ».
اغمس إصبعك في البحر، ثم أخرجه. ما يعلق بجلدك، قطرات قليلة بالكاد تُقاس، هذه هي حياتنا هنا. أما البحر كله، فهو الآخرة.
لا شيء مخيف في هذه الصورة بحدّ ذاتها. إنها ببساطة صادقة. وهي تطرح سؤالاً واحدًا ملموسًا جدًا: ماذا نفعل بقطرتنا؟
فماذا نفعل بهذا الحجم المهول من الفارق؟
إدراك هذا التفاوت لا ينبغي أن يبعث الخوف، بل الوعي. هذا ليس خطابًا لسحقنا تحت وطأة تفاهة وجودنا، بل هو بالعكس، ما يمنحه كل قيمته.
فإن كانت هذه القطرة هي الفرصة الوحيدة المتاحة لنا لنُعدّ للمحيط الذي يليها، فإن كل لحظة فيها تتغيّر طبيعتها. صلاة تؤدّى بحضور قلب. كلمة طيبة تُقال في الوقت المناسب. مساعدة صامتة تُقدّم لمحتاج. نية صادقة، ولو لم يرها أحد. لا شيء من هذا صغير، لأن شيئًا فيها لا يُقاس بمقياس القطرة، بل يُقاس كله بمقياس المحيط الذي تُعدّ له.
ليس أمامك 45 سنة، ولا حتى يوم واحد مضمون. أمامك هذه اللحظة بالذات، التي تقرأ فيها هذه السطور. فالسؤال الحقيقي لم يعد: لماذا خُلقنا؟ فالجواب معروف. السؤال الحقيقي هو: ماذا سنفعل، الآن، بما تبقّى من قطرتنا؟
عن الكاتب

Abderrazak Memmiche
بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.
0 التعليقات
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.


