السباق الأعظم: كل مؤمن بطل في ميدان العمل الصالح
نُعجب بأبطال الأولمبياد ونحتفي بهم — فهل أدركنا أننا في سباق أعظم وأخلد؟

نجلس أمام الشاشات ونحن نتابع الألعاب الأولمبية بشغف بالغ. نُعجب بهؤلاء الرياضيين الذين وهبوا سنواتهم للتدريب والتضحية من أجل لحظة المجد. نحسّ في داخلنا شيئًا يتحرك حين يعلو البطل المنصة ويلتقط ميداليته الذهبية.
لكن توقّف لحظةً وتأمّل: أليس كل مؤمن منا يخوض سباقًا أعظم من ذلك بكثير؟
إعجابنا بالرياضيين ودلالته
لا نُعجب بالرياضي لأنه أسرع أو أقوى فحسب، بل لأننا نرى فيه صورةً من الإرادة والعزم والتضحية. إنه يذكّرنا بأن الإنسان يستطيع أن يصل إلى القمة إذا أراد وجدّ واجتهد.
وهذا الشعور ليس عبثًا؛ فقد فطر الله الإنسان على حبّ التفوق والسمو. والإسلام لا يقمع هذه الفطرة، بل يوجّهها نحو ما هو أبقى وأعظم.
النداء الإلهي للمسابقة
لم يترك الله عباده المؤمنين دون توجيه. بل نادى بصيغة الأمر العاجل:
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغۡفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ > — سورة آل عمران: 133
وفي سورة الحديد نداء آخر أشدّ وضوحًا في معنى السباق:
﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغۡفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ السَّمَاءِ وَالأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضۡلُ اللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضۡلِ العَظِيمِ﴾ > — سورة الحديد: 21
"سابقوا" — فعل أمر يحمل روح التنافس الحقيقي. الله يقول لنا: تنافسوا، لكن نحو ما يدوم إلى الأبد.
درجتان من الفائزين في الجنة
في كل مسابقة منصةٌ للمتوَّجين. والقرآن الكريم يُبيّن لنا أن الفائزين في الآخرة على درجتين.
المقرّبون — نخبة الجنة
﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوۡحٌ وَرَيۡحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ > — سورة الواقعة: 88-89
هؤلاء الذين سارعوا وسابقوا حقًّا، أكثروا من النوافل، وأخلصوا وقرّبوا إلى الله في كل حين. جزاؤهم من جنس عملهم — رفيع ونفيس.
أصحاب اليمين
﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَابِ الۡيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَابِ الۡيَمِينِ﴾ > — سورة الواقعة: 90-91
هؤلاء أدّوا ما فُرض عليهم وحافظوا على إيمانهم، فنالوا الجنة وتلقّوا التحية بالسلام.
خطر الغفلة والإعراض
الرياضي الذي لا يتدرّب لا يُتوَّج. وفي الميدان الأعظم، الغافل عن الحق يتعرّض لعاقبة وخيمة. يقول الله تعالى:
﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الۡمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢﴾ فَنُزُلٌ مِّنۡ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾ وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ > — سورة الواقعة: 92-94
الغفلة ليست موقفًا حياديًا. لها ثمن. وثمنها باهظ.
كيف تخوض السباق؟
لا يصبح الرياضي بطلًا بين يوم وليلة. إنه يختار كل يوم أن يُجاهد نفسه: يستيقظ مبكرًا، يتدرّب، يصبر، يُضحّي.
وللمؤمن تدريبه الروحي: الصلاة، والصيام، والزكاة، وتلاوة القرآن، وحسن المعاملة. كل عمل صالح هو خطوة نحو الغاية العظمى.
والبشرى؟ هذا السباق مفتوح للجميع. لا حصص، ولا قواعد عمرية، ولا محسوبية. ﴿ذَٰلِكَ فَضۡلُ اللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَاء﴾.
اليقين التام — الجائزة الحقيقية
الميداليات تصدأ. والأرقام القياسية تُكسر. والأبطال يتقاعدون.
أما الجنة — التي عرضها كعرض السماوات والأرض — فنعيمها لا ينقطع ولا يزول.
ويختم الله هذا الدرس العظيم بقوله:
﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الۡيَقِينِ ﴿٩٥﴾ فَسَبِّحۡ بِاسۡمِ رَبِّكَ الۡعَظِيمِ﴾ > — سورة الواقعة: 95-96
في المرة القادمة التي تشاهد فيها بطلًا يحمل ميداليته الذهبية، تذكّر: أنت أيضًا في سباق. والجائزة التي تنتظرك تفوق كل ما تستطيع الأفئدة أن تتخيّله.
فسابق. وأحسن. ولا تدع الغفلة تسرق منك الأبد.
عن الكاتب

Abderrazak Memmiche
بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.
0 التعليقات
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.
