وهم الملاجئ: ماذا يقول القرآن لأثرياء يهربون من الموت؟

مدن تحت الأرض، وجزر خاصة، وطائرات جاهزة للإقلاع… مليارات تُنفَق للنجاة من النهاية، وأربع آيات تصف هذا السباق بدقة مدهشة.

Abderrazak Memmiche14 أكتوبر 20265 دقائق قراءة45 مشاهدة
وهم الملاجئ: ماذا يقول القرآن لأثرياء يهربون من الموت؟

حروب، وتهديد نووي، وأوبئة، وخوف من ذكاء اصطناعي يخرج عن السيطرة… يعيش عصرنا شعورًا خفيًّا باقتراب النهاية. ومعه تتسع ظاهرة «المُستعدّين»، أولئك الذين يتأهبون لأسوأ الاحتمالات.

هذا المقال مستلهم من تأمل للدكتور محمد المبيّض بعنوان «خطط الفرار من الموت… لكن هل ستنجح؟». سؤال بسيط، أجاب عنه القرآن منذ أربعة عشر قرنًا.

ملاجئ فاخرة: سباق الأثرياء الجديد

بعض الدول تستعدّ منذ زمن بعيد: فسويسرا تفرض بالقانون توفير ملاجئ لسكّانها، وهلسنكي حفرت تحت شوارعها شبكة واسعة من الملاجئ. لكن الجديد هو من يحفر اليوم: النخبة المالية والتقنية.

تحدّثت الصحافة طويلًا عن ضيعة مارك زوكربيرغ في جزيرة كاواي بهاواي وملجئها المدفون تحت الأرض (وهو يصفه بـ«ملجأ صغير»)، واشترى بيتر ثيل أراضي في نيوزيلندا، وصرّح سام ألتمان عام 2016 بأن لديه أسلحة وذهبًا وأقنعة غاز وقطعة أرض معزولة يلجأ إليها. وتبيع شركات أخرى ملاجئ فاخرة بمزارع مائية وطاقة مستقلة وأنظمة تنقية هواء متطورة.

ومع ذلك يبقى القلق. يروي الكاتب دوغلاس راشكوف أنه دُعي إلى لقاء مستثمرين بالغي الثراء كان سؤالهم الأهم: «كيف نحافظ على ولاء حرّاسنا حين يفقد المال قيمته؟». مليارات للأمان، ولا طمأنينة.

﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾

يصف القرآن طبعًا بشريًّا يتكرر في كل عصر: التعلّق المفرط بالحياة الدنيا.

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ … يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 96)

نزلت الآية في فئة محددة زمن الوحي، لكنها ترسم نفسية إنسانية عامة. ولها اليوم أسماء جديدة: مختبرات «إطالة العمر»، ومشاريع «هزيمة الشيخوخة»، وتجميد الأجساد. لم يحظَ حلم «الألف سنة» بتمويل كهذا من قبل.

ليس المقصود أن الصحة أو البحث العلمي مذمومان، بل أن طول العمر لا يجيب عن سؤال: فيم أفنيته؟

بروج مشيّدة… أو مدفونة

بناء الأسوار المنيعة في وجه الموت ليس جديدًا، والقرآن يردّ على هذا المنطق مباشرة:

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: 78)

كانت البروج المشيّدة قديمًا ترتفع نحو السماء، وهي اليوم كتل من الخرسانة مدفونة تحت التراب. تغيّر الاتجاه وبقي الوهم نفسه. فملك الموت لا يحتاج رمز دخول، ولا يمرّ عبر مرشّحات الهواء.

وبعد غزوة أحد ردّ القرآن على من قالوا «لو بقينا في بيوتنا»:

﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: 154)

الموت لا يلحقك… بل ينتظرك

تستوقفنا آية بعينها:

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (الجمعة: 8)

لم تقل الآية «مدرِكُكم» كما يلحق الطالبُ المطلوبَ من خلفه، بل قالت ﴿مُلَاقِيكُمْ﴾: أي يأتيكم من أمامكم. فالمكان الذي يفرّ إليه المرء بطائرته الخاصة قد يكون هو نفسه موعد اللقاء، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (لقمان: 34).

وتذكر كتب التفسير أثرًا في هذا المعنى: رجلٌ فزِع من نظرة ملك الموت فطلب من سليمان عليه السلام أن تحمله الريح إلى الهند، ثم أخبر ملكُ الموت أنه كان متعجبًا من رؤيته في الشام وقد أُمر بقبض روحه في الهند. فكان الفرار هو الطريق إلى الموعد.

بل قد يصير الملجأ نفسه فخًّا: عطلٌ في التهوية، أو زلزال يغلق المخرج الوحيد، أو خيانة من الداخل، فيتحوّل الملجأ الفاخر إلى قبر مغلق.

محاصرون بمكرهم

في هذا السباق مفارقة عميقة: كثير مما تخشاه هذه النخبة هو مما صنعته أو موّلته بنفسها: ذكاء اصطناعي بلا ضوابط، وسلاح، وأزمات اقتصادية، وكوكب مختلّ التوازن. والقرآن يصف هذه السنّة:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام: 123)

السعي إلى السيطرة المطلقة ينتهي بالخوف المطلق: يصنعون الخطر، ثم يحفرون ليختبئوا منه.

الاستعداد الحقيقي: اعقلها وتوكّل

لا يمنع الإسلام الأخذ بالأسباب: فنوح عليه السلام صنع الفلك قبل الطوفان، ويوسف عليه السلام دبّر مخزون سبع سنين قبل المجاعة. وقال النبي ﷺ للرجل الذي ترك ناقته: «اعقلها وتوكّل» (رواه الترمذي).

هنا الفارق: الأسباب وسيلة لا ملاذ. يأخذ المؤمن بها ثم يسلّم قلبه لله، أما من جعل أمانه كلّه في الخرسانة فيبقى أسير خوفه ولو كان على عمق ثلاثين مترًا.

والاستعداد الحقيقي يعني:

  • تقوية الإيمان الذي يمنح الحياة والموت معناهما.
  • التوكّل الصادق: عملٌ جادّ، ثم تفويض النتيجة لله.
  • إصلاح السلوك اليومي: صلة الرحم، وردّ الحقوق، والتوبة والاستغفار.
  • الاستثمار فيما يبقى: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو لك.

أشدّ الملاجئ تحصينًا لا تحمي من اللقاء الذي لا مفرّ منه. والسؤال الحقيقي ليس: أين سيكون؟ بل: على أيّ حال سيجدنا؟

شارك هذه القراءة

عن الكاتب

Abderrazak Memmiche

Abderrazak Memmiche

بعد مسيرة مهنية طويلة في قطاع الفنادق الفاخرة، اخترتُ أن أُكرّس نفسي لما هو جوهري. انطلاقًا من شغفي الروحي العميق، أشارك عبر هذه المدونة تأملات وكتابات مستوحاة من الإسلام، ساعيًا إلى إعادة اكتشاف رسالته الأصيلة: رسالة سلام وحكمة ونور، بعيدة كل البعد عن التحريفات وخطاب الكراهية. هدفي بسيط: إيصال رسالة صادقة وواضحة، تحافظ على جوهر قيم الإسلام.

الرسالة

رسالة تذكير يسر القراء فتحها

كل أسبوع، مختارات من التأملات حول الإسلام والقرآن والأدب والحياة الروحية.

التعليقات

شارك باحترام

البريد الإلكتروني مطلوب لإشعارات الردود ولن يظهر للعامة أبداً.

0 / 2000

0 التعليقات

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يترك مشاركة نافعة ومحترمة.

ملاحظة تحريرية

ينتمي هذا النص إلى سلسلتنا الأسبوعية في التأمل والدراسة، ويمكن استلامه عبر البريد مع ملاحظات وموارد وتذكيرات إضافية.

قراءات ذات صلة